محمود شيت خطاب

275

الرسول القائد

متزن حكيم ، فكره عروة أن يعود من مفاوضة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فيسمعه رجال قريش ما يسوءه ؛ فاعتذرت له قريش مؤكدة أنه عندهم غير متّهم ، وأنها تطمئن إلى حكمته وحسن رأيه ؛ فخرج إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم وذكر له أن مكة المكرمة بلده الحبيب وأن بها قومه وعشيرته ، فلا يصح له مهاجمتها بمن جمع من أوشاب « 1 » الناس الذين سينكشفون عنه منهزمين إذا اشتد الخطب . فأجابه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : ( أنحن ننكشف عنه ) ؟ ! وعاد عروة إلى حديثه مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وجعل يمسّ لحية النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يكلّمه ، فقرع المغيرة بن شعبة الثقفي « 2 » يد عروة وهو يقول : ( أكفف يدك عن وجه رسول اللّه قبل ألا تصل إليك ) . . . وردّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم على عروة بما يقطع لجاجته وينفي كل شبهة : ( إنه لا يريد حربا وإنما يريد أن يزور البيت كما يزوره غيره ) . . . عاد عروة من اجتماعه بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى قريش ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه : لا يتوضّأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ؛ فرجع إلى قريش ليقول : ( يا معشر قريش ! إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني واللّه ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ؛ ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم ) . عادت كل سفراء قريش إليها دون أن يتعرّض بهم أحد من المسلمين ، وقد اطمأنوا جميعا إلى نيّات المسلمين السلمية ، مما جعل حلفاء قريش يقاومون فكرة القتال ، بل كادت تنشب حرب أهلية بين متعصبي قريش ومنصفيها .

--> ( 1 ) - الأوشاب : الأخلاط . ( 2 ) - أنظر سيرته في : قادة فتح العراق والجزيرة 387 - 411 .